غيرة عمر..ومسارعة الوحي في هواه
التاريخ: 27-8-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


طبائع الرجال تختلف من شخص لآخر، حقيقة لا يماري فيها عاقل، والذين تحلّقوا حول الرسول، صلى الله عليه وسلم، لا يُستثنون من هذه القاعدة، وإن كانوا من أشد الناس تمثّلا بما جاء به الدين من مبادئ وخصال، وحين نقارن -مثلا- بين أبي بكر وعمر نجد عجبا، من لِين لدى الأول، يقارب به سماحة النبي، صلى الله عليه وسلم، وشدّة لدى الثاني، تكاد تدفع القارئ إلى ما قد يظنه إساءة لمقام النبوة، لولا أن النبي نفسه قد أمضى ما فعل، ولولا أن الوحي نفسه قد انتصر-أكثر من مرة-لصالح عمر، من غير أن ينصّ على اسمه !



 

أخرج الإمام البخاري -في باب خروج النساء إلى البراز: (1/41) وفي باب آية الحجاب (8/53) -عن عائشة أن أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، كنّ يخرجن بالليل-إذا تبرّزن- إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، فكان عمر يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناكِ يا سودة ! حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب". وقد أخرجه مسلم أيضا(4/1709).

وأخرج البخاري أيضا (6/120) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجت سودة بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا ! فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن".

موافقات الوحي لعمر بن الخطاب -في أكثر من موضوع- لا تُنكر، وحرصه على دين الله أن يُمسّ بسوء شرف لا يدّعيه، وابتغاؤه للكمال في القول والفعل تنضح به سيرته، لكن أن يَستحثّ الوحي على التنزّل بهذا الأسلوب - وينزل الوحي- فما أظنّ إلاّ أن الله "يسارع في هواه" كما قالت السيدة عائشة -يوما- لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما فعله عمر في الحديث الأول مفهوم، وإن كان في النفس منه شيء، لأنه بدا أكثر حرصا من النبي نفسه؟ غير أن طلب عمر قد يمكن تفسيره على أنه نابع من غيرة طبيعية تعتمل في صدره على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج الطبراني وابن مردويه -فيما ذكره السيوطي في الدرّ المنثور(4/106)- عن ابن مسعود أن زينب زوج الرسول صلى الله عليه وسلم قالت لعمر: "..وإنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا.."

ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يستجيب لما يطلبه عمر، لأنه لم يكن يتحرّك إلا بناء على وحي من ربه، في أحكامٍ من هذا القبيل، قال الحافظ ابن حجر(1/250): " وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية، لأنه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية، وكذا في إذنه لهن بالخروج..".  

ولم يقف الأمر بعمر عند هذا الحدّ، فيبدو أنه تمادى حتى  طلب من سودة التحسّب لهيئة الخروج، نظرا لكونها امرأة جسيمة، وكأنّ هواه كان يميل إلى عدم الخروج، فعبّر بذلك التعبير؟ ويبدو أنه كان يطمع في نزول الوحي بمنع نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج أصلا ! لكن الوحي أخلفه فيما كان يبتغيه، ونزل بإباحة الخروج للحاجة، دون المزيد من قيد كان يسعى إليه عمر، ومع ذلك يمكن اعتبار مجرد النزول من الموافقات، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/249): " قوله: احجب: أي امنعهن من الخروج من بيوتهن، بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال..ويحتمل أن يكون أراد أوّلا الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحبّ أيضا أن يحجب أشخاصهن، مبالغة في التستر ! فلم يُجَب لأجل الضرورة، وهذا أظهر الاحتمالين، وقد كان عمر يَعدّ نزول آية الحجاب من موافقاته..".

وما ذكره احتمالا هنا جزم به في موضع آخر من كتابه (8/531) فقال: "..والحاصل أن عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي، حتى صرح بقوله له عليه الصلاة والسلام: احجب نساءك، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كنّ مستترات، فبالغ في ذلك، فمُنع منه، وأُذن لهن في الخروج لحاجتهن، دفعا للمشقة ورفعا للحرج..".

قال القاضي عياض في إكمال المعلم (7/57): "وفيه فضل عمر، وصحة نظره، وصواب رأيه، حتى وافق الوحى والشرع فى أمور كثيرة؛ منها الححاب وغيره..".



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5267