عادي!
التاريخ: 5-9-1438 هـ
الموضوع: شعاع


دونما تشنّج أو تعصّب أو تزيّد أو تنقّص يمكن القول: إن  فيلم "ابن باديس" الذي تمّ التسويق له منذ مدة طويلة نسبيا، وهُيّئت له الكثير من الشروط والظروف، والذي رُصدت له ميزانية كبيرة ـ كما صرّح وزير الثقافة، مع كل ذلك جاء الفيلم "عاديا" بل ربما يمكن القول: إنه أقلّ من عادي.

حسن خليفة



 وبالطبع هناك أسباب كثيرة لهذا "العادي" في إخراج وإنجاز فيلم عن أهم شخصية جزائرية في الأزمنة الحديثة والمعاصرة، شخصية يقع عليها الإجماع على أنها "استثنائية" من جميع الجوانب، وذات خصوصية وتفرّد، ليس فقط من حيث ما يسّر الله تعالى لها أن تنجزه، وما هو بالبسيط واليسير، ولكن لأسباب كثيرة أخرى تجعل هذه الشخصية هي شخصية الرائد والقائد والزعيم للأمة الجزائرية كلها. ولسنا في صدد المحاسبة والنقد، وإنما هي ملاحظات موضوعية نبديها لصلتها برمز من رموز الجزائر المسلمة.

لا ريب أن "المنظور" الذي إدير به إنجاز الفيلم وإخراجه له دور في هذه المشهدية العادية؛ حيث إن أفق ابن باديس الداعي، المصلح، المربي، القائد المحنّك، المثقف المندمج مع مجتمعه، قائد الرأي ذو الخلفية النهضوية التغييرية، ابن باديس "القدوة" والرمز الذي يحتاج إلى إعادة صياغة وإحياء(سينمائيا) وإعلاميا. قد يكون غائبا من نظرة من كان وراء هذا العمل في مجمله وتفاصيله، وأتحدث عن المجموع هنا، وليس عن فرد بعينه، إن الخلفية هي التي تصنع الهدف وهي التي تعطي "القيمة" للشيء، أيا كان. 

فعندما يكون التصوّر واضحا يكون الهدف أوضح، ويجري العمل ـ وفق ذلك ـ لتجسيد تلك القيم التي تصنع الفرادة والتميز والقيمة والقدر والقدوة.

 ولكن عندما يكون الأمر خلاف ذلك، يأتي العمل عاديا وبسيطا، لا يسعى إلى الرقيّ إلى تلك الأهداف.

 في المطوية التي وُزعت للتعريف بالفيلم ما يؤكد هذا، في هذا الفيلم اعتمدنا صياغة سينمائية جديدة لأفلام السيّر الذاتية، فاعتمدنا أساسا على استقراء محيط ابن باديس السياسي والاجتماعي خصوصا، لنضع المشاهد في الجوّ الذي يجعله قريبا أكثر من هذه الشخصية وبالشكل الذي يتيح له أن يدرك حجم المتاعب والصعوبات الكبيرة التي واجهت ابن باديس في تحقيق أهدافه وغاياته"، ثم تشير المطوية "..وقد تجنّبنا التطرق إلى ما يعرفه الجزائريون عن الرجل، وتحرّكنا من خلال الفيلم في زوايا الغرف المظلمة ( لاحظ التعبير) والمهملة في حياته".

والخلاصة كما يراها أصحاب الفيلم هو أن يحس المشاهدون بشيء مما عاناه الرجل ويلمس جزءا من تضحياته الكبيرة.

إذن ذلك كان الهدف، إنه ـ إذن ـ هدف بسيط جدا، كنّا نأمل أن يكون الهدف أكبر وأكبر، حتى تلتصق الأجيال بتاريخها أكثر.

وهنا ينبغي أن نشير إلى الإشارة السابقة في أن الفيلم تجنّب "ما يعرفه الجزائريون" عن ابن باديس.

تلك هي المشكلة: الجزائريون لا يعرفون ابن باديس كما يجب، وكما هي حقيقة حياته، وحقائق ما صنَعه وحققه، وكان ينبغي الاهتمام بتعريف الجزائريين والجزائريات به، وتقريبهم منه حتى يدركوا حقيقة هذه الشخصية الفذّة، وهم أحوج ما يكونون إلى ذلك الآن، وفي كل الأوقات، والفيلم هو فرصة من الفرص المهمة في تسويق سينمائي ـ إعلامي نزيه وراشد وبأهداف حضارية.

لكن أيا كان الأمر، لعل هذا الفيلم تتبعه أفلام وسلاسل أخرى عن ابن باديس وعن علماء وأعلام الجزائر، وما أكثرهم وما أمسّ الحاجة إليهم لإدراك حقيقي لوقائع التاريخ ولمعرفة أفضل ببُناة الوطن من الذين كانوا يرون في العمل والكفاح والجهاد بكل أنواعه واجبا لا ينتظرون الشكران عليه.

 



37



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5279