جناية الموقع..والقرار المستقلّ
التاريخ: 11-9-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


طريق الدعوة إلى الله طريق مليء بالأشواك والورود، أشواك الصدّ من أناس طُبع على قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، وورود الإحساس بالسعادة وأنت تضع نفسك في درب الأنبياء والصالحين على مرّ العصور، تُشفق على المدعو-أيا كان- أن يشقى في أخراه، فترجو أن تربح معه مرتين: مرة حين تسعد باستجابته، ومرة حين تذكر ما يُرصد لك عند ربك جراء هدايته، وقد تُلقي كلمة أو موعظة فتجد صداها في إقبال لم تكن تنتظره، وبين هذا ومَن يتأبى على التوبة أو الهداية تظل تتقلب في طريق الأنبياء، ومن مفارقاته أنّ نوحا مكث ما يقرب من ألف عام يدعو فلا يُستجاب له، وأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم قد انساق الناس إلى دعوته في أقل من ثلاثة عقود، لتبقى طبائع البشر ونفوسهم تُلقي بأسرارها إلى يوم الدين، وشرارةُ الهداية قبل ذلك بيد مَن يملك مفاتيح القلوب والنفوس.



أخرج مسلم(2/593)عن ابن عباس أن ضِمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يَرقِي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، قال: فقال: أعِد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعتُ قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر(الصحيح كما قال غير واحد: قاموس البحر و هو وسطه أو لجّته)، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى قومك، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مِطهرة، فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضِماد."

يظلّ النبي صلى الله عليه وسلم يحاول إقناع عمّه بالتلفّظ بالشهادتين حتى وهو على فراش الموت، فيرفض الدعوة، ويتأبى على الهداية، ويسمع رجل غريب-يفِد على مكة-سفهاء من شبابها يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون، فيعرض عليه"العلاج"! فيعاجله النبي صلى الله عليه وسلم بمقدمة خُطبة لم يتمّها، ويقدّر الله أن تستوقف هذه الكلمات-التي تتضمّن الثناء على الله والإقرار الشهادتين- الرجلَ متأثِّرا بها، فيُسلم، ويبرِّر تأثّره بأن الكلام جديد عليه، لم يسمعه لا من كاهن ولا من ساحر ولا من شاعر! فيشفيه الرسول صلى الله عليه وسلم من ضلالته المتيقَّنة، بعد أن كان ينوي الرجل شفاء النبي من جنونٍ مُدّعى.

يبدو أن النفس كلما كانت أبعد عن التزامات الموقع- وما يجلبه من جاه ومكانة-كلما كانت أقرب إلى القرار المستقلّ، فأبو طالب-مثلا-كان يتجنّب مخالفة قريش لئلاّ تناله تهمة من هنا أو هناك، تعصف بمكانته بينهم، وهو ما صرّح به-فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة(1/55)-"..لولا أن تعيِّرني قريش- يقولون إنما حمله على ذلك الجزع- لأقررت بها عينك" وأما الرجل-الذي ورد في الحديث-فلم يكن يقيِّده أي التزام من هذا القبيل يتحسّب له، ولذلك سارع إلى إعلان إسلامه بمجرّد أن أحسّ بتأثّرٍ ما باتجاه ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا تزال الأخبار تَرِد عن شخصيات فنية وعلمية  واقتصادية تتأثّر بمبادئ الدين الجديد، وبعضها يُسلم، لكننا نادرا ما نظفر بشخصية ذات مكانة مرموقة في مجال السياسة يفعل ذلك!

ومما تجدر الإشارة إليه- تعليقا على الحديث أيضا- أنّنا نسمع دعوات لتحسين الخطاب الدعوي، وتحبيب الناس في هذا الذين، وليتميّز هذا الخطاب عن خطاب العنف الذي بات له أنصار ومشايعون، وهو أمر مفهوم ومشروع، لكن لا ينبغي أن نغفل سحر الخطاب القرآني ذاته، وتأثيرَه المباشر على النفوس العطشى، حتى وهو يُتلى باللغة العربية، وقد سمعنا عن أناس كانت أولى خطواتهم إلى هذا الدين هي طرقُ القرآن أسماعهم ببعض آياته من غير ترتيب.

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5287