رمضان وبركة شرف الزمان
التاريخ: 11-9-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


 شهر رمضان هو ربيع الحياة الإسلامية، وموسم القرآن الكريم والتأمل في النفس والتفكر في المصير، ويكفيه شرفاً في صيرورة الزمان، أن اسمه الشريف قد ارتبط بنزول القرآن الكريم، الكتاب المعجز الخالد الذي حوى الوحي الإلهي كله. فهو الخلاصة الأخيرة لمراد الله تعالى من الخلق من الأزل إلى الأبد، بمعنى أنه لو بُعث أيُّ نبيّ من أنبياء الله تعالى ـــ منذ نوح إلى آخر سلسلة الرهط الكريم ممن اصطفاهم الله ـــ وقرأ القرآن الكريم لقال في ثقة وتثبت واطمئنان: هذه هي الرسالة وهذا هو الدين الذي جئت به ودعوتُ إليه، ذلك أن الدين في جوهره وحقيقته واحد، كما هو مؤكد في قوله تعالى:{  إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ} [آل عمران:19].

بقلم/ د. إبراهيم نويري ـ كاتب وباحث جامعي  



 

 

 

   فشهر رمضان إذاً بهذه الصفة، وبهذا الارتباط الزماني منذ لحظة بدء نزول الوحي الخاتم، بات من أيام الله ذات الخصوصية والتميّز والاستثناء، فهو في ضمير المسلم مرتبط دوماً بكتاب الخلود، كما قال الله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ} [ البقرة/185]، ثم شاء الله تعالى بعد ـــ لشرفه في دورة الزمان ـــ أن فرض صومه على جميع المكلَّفين من المسلمين ـــ من غير ذوي الأعذار الشرعية ـــ وجعله الركن الرابع من أركان هذا الدين لتكتمل بذلك صورة ومنزلة هذا الشهر الكريم في ضمير ووجدان الإنسان المسلم والأمة المسلمة.

 وفي هذه الوقفة الموجزة نحاول تصوير مكانة رمضان في السنَّة النبوية الشريفة، باعتبار أن صاحب الرسالة العظمى محمد صلى الله عليه وسلم، هو الإنسان الأول الأكثر شعوراً وإحساساً بهذا الشهر المبارك، ففي بعض أيام هذا الشهر الفضيل عَلِم ـــ صلى الله عليه وسلم ــ بأن الله قد اصطفاه من بين جميع خلقه في العالمين، لحمل أمانة تبليغ رسالة الإسلام، وفي بعض أيام هذا الشهر أيضاً تلقى أولى كلمات النور الإلهي متمثلة في هذا الكتاب الذي ختم الله تعالى به رسالات السماء، ليكون الكلمة الأخيرة للعالمين إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.

مكانة رمضان في السنَّة المطهّرة

   لا شك أن الأحاديث التي وردت عن الصوم وعن شهر رمضان كثيرة في السنَّة النبوية المطهرة، ويحتاج الصائم في هذا الشهر الفضيل إلى مطالعتها وتأمل أحكامها ومقاصدها النفسية والتربوية المختلفة، والانتفاع بها في حياته العملية.

 ولعل أول حديث يسترعي الانتباه بعنفوان في هذا السياق، الحديث الذي رُوي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته من الطعام والشراب فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته من النوم بالليل فشفِّعني فيه· قال: فيشفعان". إن هذا الحديث الجليل إنما هو زاد فاعل يقوِّي من عزم المسلم أثناء شهر رمضان، بل يجعله يُقبل على قراءة القرآن والاستمداد منه، والتحلّي بالصبر مهما اشتد قيظ النهار، فالجزاء ليس هيناً، إنه الشفاعة يوم يكون الناس في أمسّ الحاجة إلى شفعاء.

   ويجيء حديث آخر يحمل المسلم أيضاً على الإخلاص في صومه والاستمرار فيه إلى آخر النهار مهما كانت المشقة والمعاناة وذلك لخطورة ما يترتب عن الاستهانة بالصوم والإقدام على الفطر بغير عذر شرعي مقنع، وهو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة رخَّصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه".

  وتتوالى في السنَّة الشريفة الأحاديث المرغِّبة للمسلم في صوم هذا الشهر الكريم، والحضّ على حسن استقباله، ومحاولة إحداث التغيير الإيجابي في البناء النفسي والسلوكي، وشحذ الطاقة الروحية، خلال سائر أيامه ولياليه المباركة، فرمضان فرصة ثمينة للتزود من الخير، وفضاؤه الزمني فرصة لا تتكرر سوى مرة واحدة في العام، فقد أخرج الترمذي وابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وغُلقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، ويُنادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة".

 وجوهر هذا النص وارد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين".

  ولمنزلة هذا الشهر الجليل في ضمير المسلم وتركيبته النفسية والروحية والإيمانية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبشّر أصحابه بقدوم رمضان ويدعوهم للفرح بهلاله فيقول: "جاء شهر رمضان بالبركات فمرحباً به من زائر وآت"، كما ورد أيضاً عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحطّ الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقيَّ مَنْ حُرم فيه رحمة الله" (رواه الطبراني).

الصوم وغفران الذنوب

  ليس هذا فحسب ــ إخوة الإيمان ــ بل إن السنَّة المطهرة لترتفع بمنزلة عبادة الصوم حتى لتضاهي منزلة الحج الأكبر في غفران الذنوب ومحو الآثام، وإثبات الخيرية والرضوان، وكأن الصوم الصحيح ـ وفق الهدي النبوي ـ ولادة جديدة في ظلال الإيمان والسمو الروحي والصفاء الفكري، وذلك ـ دون ريب ـ لمن حرص على سلامة صومه وحسن رعاية حقوق الله سبحانه عز وجل خلال هذا الشهر الكريم، نجد صورة ذلك مثلاً فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " (رواه النسائي).

ونظراً لهذا الجزاء العظيم الذي يناله المسلم باجتهاده في هذا الشهر الفضيل، فإن السنَّة النبوية تنبّه إلى ضرورة أن يتحلى الصائم بالسلوك الإسلامي القويم، وأن ينضبط تماماً بأخلاقيات الإسلام في المعاملة والشهادة والحكم على الناس، ونحن نرى شاهداً على ذلك مثلاً في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

 هذه وقفة سريعة وموجزة عن رمضان ـــ ربيع الحياة الإسلامية ــ كما ورد في السنة النبوية المطهرة، نأمل أن يستفيد منها القارئ الكريم خلال هذا الشهر الفضيل، وأرجو أن أعود لتناول جوانب أخرى في هذا الموضوع، نظراً لما يمثله الهدي النبوي من زاد سلوكي وفكري وروحي ينتفع به المسلم في طريقه إلى الله، وخصوصاً خلال أيام هذا الشهر المبارك الذي كرمه الله تعالى وخصَّه في دورة الزمان، حيث أنزل فيه كتابه الخالد، خلاصة أخيرة وشاملة للدين الحق والوحي الإلهي ومنتهى الرشد والصواب.

 فنسأل الله تعالى أن ينفعنا ببركات ونفحات القرآن في شهر القرآن، وأن يثبت أقدامنا على دينه ونهجه المستقيم، والله وليّ التوفيق وهو يهدي إلى سواء السبيل.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5288