الرجولة الربانية...
التاريخ: 11-9-1438 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


 كثيرا ما تهزني مواقف الصحابة الكرام التي أقرأها في بطون الكتب التي أرخت لسيرتهم العطرة، وبطولاتهم النادرة، فتجعلني هذه القراءة الـممتعة أعيش في جوّ رباني مـملوء بـمشاعر العزة والكرامة، وتتنزل الرحمة التي تتوزع في أرجاء الـمكان الذي أكون جالسا فيه...



وصدق أحد الصالحين العلماء العاملين عندما قال:"إذا ذُكر الصالحون نزلت الرحمة"، فقيل له:"وإذا ذُكر الله كيف يكون الحال؟" فأجاب قائلا:"إذا ذُكر الله نزلت الطمأنينة، أو لـم تقرأوا قول الله في كتابه الكريم: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ .

لقد أنعم الله -عز وجل- على الصحابة الكرام بالتتلمذ على يدي النبي –صلى الله عليه وسلم-، فجعل منهم رجالا ربانيين، أحبوا الله، فخدموه بصدق وتجرد، وسعوا لإرضائه وحده، فرضي عنهم ورضوا عنه.

والقارئ لأحداث معركة "اليرموك" التي خاض فيها الـمسلمون أعظم معاركهم في التاريخ ضد الروم سيجد فيها أروع الأمثلة في الصدق ونكران الذات وإخلاص النية، واستمع إلى خطبة خالد بن الوليد –رضي الله عنه- في بداية الـمعركة – كما أوردها ابن كثير في البداية والنهاية – فإنك سترى كيف كان فقه الصحابة، ونقاء وارتقاء نفوسهم الزكية، قال خالد –رضي الله عنه- خطيبا:

"...إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأَريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور (أي نتداول) الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد...".

 بيد أن الصحابة الأشاوس –وكان فيهم أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، وشرحيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، والزبير بن العوام...- رأوا في خالد أنه رجل تلك الـمرحلة، فأمَّرُوه عليهم، إذ مصلحة الإسلام والـمسلمين فوق كل مصلحة شخصية، ولا مكان لفتح ثغرة – ولو كانت صغيرة- في الصفوف قد يلج منها العدو الـمتربص إلى الداخل!

وعندما هدأ صوت الـمعركة التي تطايرت فيها الرؤوس والأشلاء، وقُتل فيها الآلاف من الجانبين، وأعز الله جنده بالنصر، تقدم أبو عبيدة إلى خالد وقد كتم أمر تولية الخليفة عمر بن الخطاب له على رأس الجيش حتى فتح الله على الـمسلمين دمشق فقال له خالد: يرحمك الله، ما منعك أن تُعْلِمَني حين جاءك (أمر التولية)؟ فقال:"إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه".

رحم الله أبا عبيدة، أمين هذه الأمة، ورحم الله خالدا، سيف الله الـمسلول، الذي جاءه بعض الذين بقيت في أنفسهم أشياء من أدران الجاهلية، فأرادوا دفعه لـمعصية أمر الخليفة عمر بن الخطاب والانقلاب عليه، وهو القائد الـمنتصر الذي هزم أعتى جيوش عصره، وصاحب الكلمة الـمسموعة في الجيش الإسلامي الـمُغْرم بعبقريته الحربية، فأجاب هؤلاء الـمرضى قائلا:

"لقد كنت جنديا لله وأنا أمير على الجيش، وأنا بعد عزلي ما زلت جنديا لله".

بمثل هذه الـمعاني الربانية الراقية انتصر الـمسلمون الأوائل، واستطاعوا أن يبنوا أعظم حضارة أخرجت للناس، ويوم يقتفي الـمسلمون أثر هؤلاء السادة الأمجاد من صحابة الرسول –صلى الله عليه وسلم-، سيفلحون وينتصرون!.



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5291